moskod عضو نشيط


سجّل في : 01 ماي 2008 عدد المساهمات : 128
| موضوع: الأهلية الإسبانية الخميس يونيو 19, 2008 4:24 pm | |
| الأهلية الإسبانية
عديدة هي الكتابات التي صدرت خلال الأعوام القليلة الماضية في إسبانيا حول مشاركة المغاربة المسلمين في الحرب الأهلية الإسبانية التي دامت ما بين 1936 و 1939، حينما كان شمال المغرب محتلاً من قبل القوات الإسبانية ؛ إذ إن هذا الموضوع ظل مسكوتاً عنه فترات طويلة، ولم يُعط له الاهتمام المستحق، وبقي الدور الكبير الذي قامت به الوحدات المغربية في الجيش الإسباني خلال تلك الحرب مجهولاً بسبب التركة الاستعمارية، وبقايا رواسب مرحلة الجنرال فرانسيس فرانكو الذي حكم إسبانيا بقبضة من حديد. ويُعدّ كتاب ماريا روزا دي مادارياغا واحداً من أهم هذه الكتب التي صدرت في إسبانيا حول هذا الموضوع المنسي في الذاكرة الإسبانية المعاصرة، والكاتبة تفسر جانباً من هذا التهميش للموضوع، معتبرة أن مشاركة القوات المغربية إلى جانب جيش فرانكو في الحرب الأهلية كان من الأسباب التي غذّت نظرة الإسبان المعاصرين السلبية إلى المسلمين عموماً، والمغاربة بوجه خاص، فالمغاربة في هذه الصورة هم الذين"عرقلوا" بناء الجمهورية الحديثة في وجه الفرانكوية الزاحفة عبر صفوف المحاربين المغاربة الذين تصدوا للجمهوريين.
النظاميون واللفيف الأجنبي
لم يكن تجنيد قوات أجنبية، خصوصاً من إفريقية المستعمرة، من أجل تعزيز القوات النظامية في البلدان الأوروبية أمراً غريباً، فقد أقدمت فرنسا على هذا الأمر في الجزائر والمغرب وباقي البلدان الإفريقية خلال نهاية القرن التاسع عشر وأثناء الحرب العالمية الثانية، كما قام الإنجليز بنفس الشيء في الهند المستعمرة ومناطق أخرى من العالم. أما بالنسبة لإسبانيا، فبعد حملة المغرب سنة 1909 وتعالي الأصوات بالداخل منددة بإرسال القوات الإسبانية إلى ما اعتبرته"مذبحة"، جاءت ضرورة إيجاد قوات مكونة من عناصر أجنبية، وخاصة من المغاربة لإنقاذ حياة الجنود الإسبان، وفي عام 1920 تم إنشاء اللفيف الأجنبي الذي تكلّف بقيادته الجنرال الإسباني ميلان أستراي. وتؤكد الباحثة أن عملية تجنيد المغاربة في صفوف الجيش النظامي الإسباني كانت تلاقي صعوبات كبيرة في بعض المناطق المغربية التي كانت تحتلها إسبانيا، وخصوصاً في الريف مهد ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وكانت القبائل تتدخل لمنع تجنيد أبنائها، بالرغم من ضعف سيطرة زعماء القبائل في تلك الفترة. لكن الظروف الاقتصادية الصعبة في ظل الاحتلال والمغريات الاقتصادية التي كانت تعرضها الحكومة الإسبانية على المجندين دفعت البعض إلى اختيار الالتحاق بصفوف الجيش، لكن هذا لم يمنع السلطات الإسبانية من تجنيد شباب القبائل المغربية بالقوة، بحيث يتم اختطافهم وإرسالهم إلى مدينة تطوان أو سبتة قبل أن يتم ترحيلهم إلى إشبيلية وساحات المعارك. لقد كانت قوات الجنرال فرانكو تعد هؤلاء المجندين المغاربة بمنحهم الأراضي في إقليم الأندلس ومورسية وبلنسية، لكن ذلك بقي مجرد وعود لاستدراج المجندين ودفعهم إلى ساحة الإعدام. تؤكد الباحثة، بناء على الوثائق الرسمية للحكومة الإسبانية في ذلك الوقت، أنه بعد بدء الحرب الأهلية عام 1936 أصبحت عملية التجنيد أكثر صعوبة، ذلك لأن المجندين الأوائل الذين سافروا إلى إسبانيا للقتال لم يعد منهم أحد أو يرسل مالاً أو خبراً إلى أهله، حتى خبر موته لم يصل إليهم، مما دفع الآخرين إلى الخوف من التجنيد، وتثبت الجريدة الرسمية في منطقة الحماية الإسبانية بالمغرب أنه كانت تُعقد محاكمات عسكرية متوالية ضد"الثوار"، أي المغاربة الذين يرفضون المشاركة في الحرب، ويتمردون على الأوامر العسكرية، ويريدون العودة إلى وطنهم، وعندما أصبحت تلك المشاهد تتكرر قامت انتفاضة شعبية في طنجة ومنطقة جبل طارق أدت إلى مواجهات عنيفة بين السكان والسلطات الإسبانية هناك.
التجنيد في المنطقة الفرنسية
مع عمليات التجنيد المستمرة: قسراً أو اختياراً، نقص عدد الرجال الذين يعملون في الحقول في مناطق الشمال والريف، لذا عمدت إسبانيا إلى البحث عن مجندين جدد في المنطقة الخاضعة للحماية الفرنسية، فكانت قواتها تتوغل في المنطقة الخاضعة للنفوذ الفرنسي بحثاً عن مجندين جدد، مما دفع المقيم العام الفرنسي إلى إصدار مذكرات تشدد على ضرورة اليقظة ومنع القبائل من تجنيد أبنائها، وقامت السلطات الفرنسية بغلق جميع الحدود والمنافذ مع المنطقة الإسبانية للحيلولة دون تسرب القوات الإسبانية، وأصدر السلطان المغربي عام 1937 ظهيرا يمنع تجنيد أهالي المنطقة الفرنسية في صفوف جيش فرانكو، وكان كل من ضبط في تلك الحالة أو تواطأ لتجنيد مغاربة يُعدّ متمرداً ويُسجن ستة أشهر ويدفع غرامة مالية، لكن على الرغم من كل الاحتياطات المتخذة استطاع العديد من المغاربة في المنطقة الفرنسية التسلل إلى المنطقة الإسبانية والالتحاق بالجيش.
عمليات التنصير في صفوف المجندين
لكن التجنيد لم يكن الهدف منه فقط إشراك مغاربة في الجيش الإسباني ومساعدة نظام فرانكو على إلحاق الهزيمة بالجمهوريين، بل لقد كان هؤلاء المجندون يخضعون لطقوس غريبة من أجل تنصيرهم، وقد بدأ ذلك من خلال فرض ارتداء كتفية الرهبان عليهم، مما خلّف استياء كبيراً وسط المسلمين في المغرب الذين كانت تصلهم تلك الأنباء. ولعبت الدعاية الإعلامية الإسبانية دوراً بارزاً في التبشير بالمسيحية في صفوف المغاربة؛ إذ كان يُقال لهم بأنهم يقاتلون الشيوعيين الملاحدة، فكان التعصب الديني ضد هؤلاء يدفعهم إلى حمل العلامات المسيحية أو الكاثوليكية مثل الصليب، وكان القساوسة ورجال الدين الكاثوليك يتدخلون لإقامة حفلات لفائدة هؤلاء المجندين المسلمين يتم فيها استخدام الطقوس المسيحية وتعليق الصلبان، وإعطاء الدروس الدينية الموجهة، كما كانوا يقومون بزيارة المستشفيات التي يرقد فيها الجرحى من المغاربة لإقامة حفلات لهم ذات طابع تبشيري، وهذا كان يقود أحياناً إلى مواجهات ما بين المجندين والمبشرين. غير أنه على الرغم من كل ما قام به المغاربة في الحرب الأهلية في إلحاق الهزيمة بالجمهوريين وتثبيت نظام فرانكو، فإن المعاشات التي خُصّصت للذين أُصيبوا منهم أو قُتلوا في المعارك كانت هزيلة جداً، وفق المرسوم الصادر في عام 1938، أما المغاربة الذين لم يُصابوا بأذى خلال الحرب فقد فضلوا الانخراط في مراكز عمل أخرى في إسبانيا ذاتها، أو في المغرب ضمن شرطة المخزن، أو في سلك الحرس العام للحفاظ على النظام، وبعد استقلال المغرب انخرط عدد كبير من هؤلاء في القوات المغربية النظامية، وفضّل البعض الآخر البقاء ضمن الجيش الإسباني، وطلبوا الجنسية الإسبانية التي حصلوا عليها. ويُقدّر عدد من حصل على معاشات الدولة الإسبانية عام 1985 بنحو (5000) مغربي، لكن الحكومة الإسبانية لا تزال تعتمد الازدواجية في صرف المعاشات لأولئك المجندين، مميزة ما بين الحاصلين على الجنسية الإسبانية وغير الحاصلين عليها.
|
|